السياق المعجمي واثره في توجيه المعنى في القران الكريم

 

مقال حصري: الأخ/ حيدر هلال التميمي

السياق بصورة عامة هو من أهم المرتكزات التي يمكن أن يلجأ إليها المتلقي لفهم النص وهو في القرآن بصورة خاصة له أهمية كبيرة تفترضها طبيعة القرآن الكريم بوصفه مصدرا تشريعيا تؤخذ منه القوانين والأحكام ، بما له من اثر فعال في الكشف عن مراد الله تعالى الى جانب القرائن الأخرى كأسباب النزول والقرائن اللغوية ، اذ تتسم المفردة القرآنية بقابليتها لحمل وجوده عدة للفهم والتأويل ، تتبين عند مقاربة سياقاتها النصية ورصد حركة معناها وتحديده والوقوف على خصوصية ورودها بهذه المعاني بما يمثله السياق القرآني من نظم تركيبي يوجه دلالة الكلمات والجمل بناء على مواقعها في النص واستناداً الى العلاقات المعنوية فيما بينها بما يتفق بالنهاية وإنتاج الدلالة المرادة من النص ، فهو جوهر المعنى الذي يمنح اللفظة معناها ودلالتها وفق العلاقات اللغوية بينها وبين ما يجاورها من الفاظ .

فالسياق اذن شبكة واسعة الابعاد يمثل كل بعد فيها واحدة من هذه العلاقات التي تحكم الفاظه ، وتمثل فيه كل عقدة وحدة معجمية مختلفة ، اذ يستحيل اعطاء لفظة ما معنى دون وضعها في نص او سياق وهو بذلك يقوم بتجميع الالفاظ بعضها ببعض ويربط اجزاءها وتتابعها بحيث تتمكن من انتاج المعنى وايصال الرسالة الى المتقي ، فالسياق هو لمسؤول عن تحديد العلاقات السياقية التي تربط الالفاظ بالتركيب ، وارادة معنى معيّن دون آخر.

فالألفاظ وهي مفردة ذات دلالة محتملة من جهة وذات ظلال وارتباط معجمي ببعضها من جهة أخرى ، مما يستدعي النظم التركيبي الذي يحقق للنص درجة من الاتساق وتجعله على قدر كبير من الفصاحة والبلاغة فتتحقق مطابقة المقال لمقتضى الحال وهنا تتحقق مهمة السياق في كونه حارساً اميناً للمعنى.

ولعل من اهم عناصر البناء اللغوي و الذي يوفر سياقاً زاخراً بالقراءة هو السياق المعجمي واسلوب توظيفه في القرآن الكريم لانتاج المعنى، فالمدلولات اللغوية والمعاني المعجمية للكلمات قاصرة بمفردها ان تمكننا فهم معنى الكلام ، لكنها تساهم مع عناصر أخرى قد تكون لغوية او غير لغوية في انتاج المعنى وفهمه وادراكه ، وهذا ما يتعاضد في السياق القرآني ، اذ تسهم المستويات اللغوية في انتاج الدلالة تبعاً لاستعمال السياق لهذه المدلولات والموازنة بين معانيها المتعددة معجمياً من جهة ، والقرائن المتوفرة من جهة أخرى ، وعليه فان الدلالة المعجمية التي تحملها المفردة تلقي بما تحمله على السياق الذي ترد فيه ، وهذه حقيقة لا يكاد نصٌّ ان يستغني منها، فلفظة (ضرب) جاءت بمعانٍ عديدة من خلال استخدامها بسياقات متعددة على الرغم من دلالته المعجمية المحددة ، فقد استعملها السياق بالمعاني الآتية :
1) بمعنى ( السفر او القتال في سبيل الله) في قوله تعالى : يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا ضَرَبۡتُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ (النساء/94) وقوله تعالى : يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَوۡ كَانُواْ غُزّٗى لَّوۡ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ ( ال عمران /156) أي اذا سافرتم او خرجتم للجهاد .
2) بمعنى ( القتل والقطع ) : قوله تعالى : سَأُلۡقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعۡبَ فَٱضۡرِبُواْ فَوۡقَ ٱلۡأَعۡنَاقِ وَٱضۡرِبُواْ مِنۡهُمۡ كُلَّ بَنَان (الانفال/12) ، أي قطع الاعناق وهو بمعنى القتل ، وقطع البنان .
3) بمعنى (اجعل) في قوله تعالى : فَٱضۡرِبۡ لَهُمۡ طَرِيقٗا فِي ٱلۡبَحۡرِ يَبَسٗا لَّا تَخَٰفُ دَرَكٗا وَلَا تَخۡشَىٰ٧٧  (طه/77) أي اجعل لهم طريقاً في البحر .
4) بمعنى ( اسدل واستر) في قوله تعالى :وَلۡيَضۡرِبۡنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ …. وَلَا يَضۡرِبۡنَ بِأَرۡجُلِهِنَّ لِيُعۡلَمَ مَا يُخۡفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ (النور/31) أي يسدلن الغطاء ويضعنه على رؤوسهن ويسترن صدروهن .

عن ALFBAA

رئيس مجلس إدارة شبكة ومنتديات شباب الرافدين ومجلة الف باء. عراقي اجبره ساسة الاحتلال خوض تجربة الغربة بعيداً عن دجلة والفرات. آملاً العودة في اقرب وقت.

شاهد أيضاً

نقل الرجل الأكثر بدانة ببريطانيا للمستشفى!

نُقل الرجل الأكثر بدانة في بريطانيا من شقته لتلقي العلاج بالمستشفى باستخدام رافعة بعد أن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.